وفاء حميد
بعد مرور وقت من القتال المستمر قررت دول العالم سحب رعاياها وبعثاتها الدبلوماسية من السودان وفرغت السودان من الأجانب ، وبقي السودانيون يقتتلون فيما بينهم .
والسودان كجزء من القرن الافريقي الكبير وضع البصمة الأخيرة للمنطقة التي يشتعل منذ مدة ويشهدها العالم .
حيث استيقظ السودانيون في يوم /15/ نيسان /2023/ على وقع معارك حربية في الخرطوم ومدينة مروي ومناطق أخرى. مع اندلاع المعارك على الأرض بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو.
ويشتعل فتيل الحرب في السودان بين القوتين ما جعل من السودان يغرق في سيل من الاضطرابات وفيض من إطلاق النار ليعلن عن المزيد من الضحايا والجرحى ، وهروب سكان العاصمة السودانية من الخرطوم ، وحذرت الأمم المتحدة من التصعيدات السياسية التي شأنها أن تؤثر سلبا على الوضع الإنساني في السودان ، و يدفع إلى الجوع وطلب المزيد من المساعدات الإنسانية يأتي هذا مع تصاعد الاشتباكات في مقر القيادة العامة بالجيش السوداني .
ولن يكون التدخل الأميركي، ومعه الإسرائيلي المحتمل في تطورات السودان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هو السلاح الوحيد الذي تستخدمه الأطراف المذكورة لمنع مسار الانفراج، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، في المنطقة. وجاءت زيارة وزير الخارجية الأميركي بلينكن المفاجئة للسودان، ولقاؤه دقلو والبرهان، ليُثبتا للجميع مدى الأهمية التي توليها واشنطن وحليفاتها لهذا البلد الاستراتيجي. وبات واضحاً أنه سيبقى في مهب الرياح الإقليمية والدولية بغياب الاستقرار السياسي، الناتج من تدخل العسكر المباشر وغير المباشر في مجريات الأحداث، منذ استقلال هذا البلد عام /1956/. وكان هذا التدخل، في ظل الأجواء الاستبدادية التي خيمت على البلاد، هو السبب الأهم في الحروب الأهلية، وتقسيم السودان إلى شمال وجنوب في عام /2011/ ، في بدايات ما يسمى "الربيع العربي"، الذي دمّر المنطقة، وما زلنا نعيش جميعاً تبعاته الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، وحتى الأخلاقية.
ومن دون أن تكتفي العواصم الغربية وحليفاتها في المنطقة بكل ذلك، فهي تتناوب فيما بينها على الاستمرار في التآمر، ومنع تحقيق أي تقدم على طريق ضمان الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة. وآخر مثال على ذلك ليس فقط ما يحدث في السودان، بل أيضاً مساعي الكيان الصهيوني .
وفي جميع الحالات، وأياً تكن النتائج المحتملة لأحداث السودان، فالجميع يعرف أن أعداء المنطقة في الخارج والداخل لا ولن يتنفسوا الصعداء إلّا بعد تدمير دولها وشعوبها لمصلحة الكيان الصهيوني. ولهذا، هم كانوا، وما زالوا، وسيبقون ضد شعوب المنطقة بسبب ما لهذا البلد من أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الجميع، وخصوصاً الكيان الصهيوني، الذي أولى أفريقيا أهمية خاصة، منذ قيامه في أرض فلسطين، وهي العنوان الرئيس لكل أحداث المنطقة، منذ آلاف الأعوام، وستبقى هكذا إلى أن تعود إلى أصحابها الحقيقيين.
دائماً ما كان السودان محطّ اهتمام "إسرائيل" التي لم تترك فرصة من دون أن تتدخل في أوضاعه الداخلية ومواقفه الخارجية، وهو ما ظهر بشكلٍ أساسي في السنوات الأخيرة.
وقد أحدث الصدام الأخير بين البرهان و"حميدتي" ، حالاً من الإرباك في مخططات الاحتلال، فالمهم بالنسبة إلى "إسرائيل" أن يصبح بلداً ضعيفاً يمكن أن تعمل فيه وفق مصالحها بكل أريحية.
دخلت "إسرائيل" على خط الأزمة السودانية الأخيرة ومساراتها بشكل متكرر في الأيام الماضية، فقد دعا وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي إيلي كوهين كلاً من قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو "حميدتي"، الطرفين اللذين يتزعمان الفصائل التي تتقاتل في السودان على مدى الأيام الماضية، إلى اجتماع مشترك في "إسرائيل" يحاولان من خلاله التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار "بوساطة إسرائيلية"
و"إسرائيل"، مثلها مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، جزءاً من هذا الصراع أو جزءاً من تحريكه. و"إسرائيل" من مصلحتها إضعاف السودان وتفكيكه، وأن لديها علاقات قوية مع إثيوبيا، فمصالح الإثيوبيين تتعارض مع مصالح السودان وتتقاطع مع "إسرائيل"، التي من مصلحتها أيضاً أن تظهر نفسها في مظهر المنقذ والمصلح والطرف "الذي سيحمل الخير للسودان".
فهي تأتي بمشاريع واستثمارات مختلفة كالأعمال الزراعية، وتستفيد من اليورانيوم، لأنّ ملف اليورانيوم مهم لديها، ولا سيما في أفريقيا، ضمن مجموعة أخرى من الأطماع".
المهم لدى "إسرائيل" بشكلٍ أساسي هو أن "يخرج السودان تماماً من فلك الإسلاميين ومحور المقاومة، وأن يصبح بلداً ضعيفاً يمكن العمل فيه بكل أريحية".
والسؤال هنا عندما تنتهي الحرب الأهلية بين السودان وتضع الحرب أوزأرها ، هل يبدأ السودانيون بحوار وطني جاد لإنهاء الصراع والتوصل إلى وفاق وطني ، والعودة للتعايش السلمي ، وتقبل التعددية والاختلاف، ووضع آلية لتداول السلطة ، وإعادة بناء مؤسسات الدولة ، والحياة المدنية الديمقراطية ؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق